علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

244

ثمرات الأوراق

هذا السعي الجليل ، وواصلنا السفر على كل وجه للفضل جميل ، وقطعنا بالكسوة ليلا طائلا نداؤه : كلّ ليل للعاشقين طويل . وفي تلك الليلة كان دخولنا إلى دمشق المحروسة كدخولنا إلى القدس الشريف سائرين سرى النجوم في الليل ، سابقين لغرّة الصباح بغرر الخيل ، موفرين لخواطر الملتقين ، وهيهات وقد سال منهم السيل . نازلين من دمشق جنّة قد تبسّمت لقدومنا عن ثغور الأزهار ، وأجرت أمام ركابنا الأنهار ، ولبست من وشي البديع حللا لها من أوائل ما انعقد من الثمار أزرار ، فائزين من الثّناء والثواب بفوق الإرادة ، داعين لمن فضله لنا جامع مترقبين لرتبته باب الزيادة . ونمّت هذه السفرة على أحسن ما يكون ، واشتملت من وجوه المحاسن على عيون . قضيت المهمات بها بالنهار وقضيت في الليل المذاكرة ، والتقطتّ من الفوائد الوزيرية ما كنت أرتقب جواهره وأزاهره ، وأردت أن أذكرها في هذه الخطبة لأنها جواهر ، وأضمّنها بعض العلم في هذه الأوراق فإنّها أزاهر ، فكثرت على هذا اللفظ المسجوع ، واقتضى الحال أن أجمعها في سفر يقال فيه : تلك رحلة وهذا تاريخ ومجموع . وقد علم اللّه أنّ هذه النبذة من القول ، وردت عن قريحة مسّها فقد الولد بقرح وأيّ قرح ، وقال بفكرها الذي كان حائك الكلام : لست اليوم من ذلك الطرح ، فليبسط الواقف على هذه الرحلة عذري ، ويعلم السبب في كونها ليست عادة نظمي ونثري ؛ وإذا كانت القريحة في بقايا قرحها فليت شعري أينهض سجعي وشعري ! واللّه تعالى المسؤول أن يجعل في البقاء الصاحبيّ سلوة عن كلّ فقيد ، ويصل أسبابنا أبدا بتحريره الوافر وظلّه المديد ، ويرزقنا في شكر نعمه لسانا لفظه ذهب وذهنا بصره حديد . * * * رحلة المؤلف إلى البلاد الرومية قلت : ذكرت برحلة الشيخ جمال الدين رحمه اللّه إلى القدس الشريف صحبة الركاب الصاحبيّ الأمينيّ رحلتي صحبة الركاب الشريف السلطاني المؤيديّ سقى اللّه ثراه - إلى البلاد الروميّة ، وبروز أمره الشريف بذكر الفتوحات بها ، وتسمية البلاد ، واستيعاب الرحلة الشريفة في البشارة المجهّزة إلى الديار المصرية وألا يقرأها بالجوامع المطهّرة غير مولانا شيخ الإسلام قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني الشافعيّ ، عظّم اللّه شأنه ، فقرأها بالجامع المؤيدي والأزهر في شهر رجب الفرد سنة ست عشرة وثمانمائة ه ، وقد عنّ لي أن أقرنها بالرحلة النّباتية فإنها رحلتان ، وهي : ضاعف اللّه تعالى نعمة الجناب العالي ، ولا زالت طرف أخبارها السّارة تسرّ